الغزالي
396
إحياء علوم الدين
الوظيفة السادسة : أن يستصغر العطية فإنه إن استعظمها أعجب بها ، والعجب من المهلكات وهو محبط للأعمال ، قال تعالى : * ( ويَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً ) * « 1 » ويقال إن الطاعة كلما استصغرت عظمت عند الله عز وجل ، والمعصية كلما استعظمت صغرت عند الله عز وجل . وقيل : لا يتم المعروف الا بثلاثة أمور : تصغيره ، وتعجيله ، وستره . وليس الاستعظام هو المنّ والأذى ، فإنه لو صرف ماله إلى عمارة مسجد أو رباط أمكن فيه الاستعظام ، ولا يمكن فيه المنّ والأذى ، بل العجب والاستعظام يجرى في جميع العبادات ودواؤه علم وعمل ، أما العلم فهو أن يعلم أن العشر أو ربع العشر قليل من كثير ، وأنه قد قنع لنفسه بأخس درجات البذل كما ذكرناه في فهم الوجوب ، فهو جدير بأن يستحيي منه ، فكيف يستعظمه وإن ارتقى إلى الدرجة العليا : فبذل كل ماله أو أكثره فليتأمل أنه من أين له المال وإلى ما ذا يصرفه ، فالمال لله عز وجل ، وله المنة عليه إذ أعطاه وو فقه لبذله ، فلم يستعظم في حق الله تعالى ما هو عين حق الله سبحانه ، وإن كان مقامه يقتضي أن ينظر إلى الآخرة وأنه يبذله للثواب فلم يستعظم بذل ما ينتظر عليه أضعافه . وأما العمل فهو أن يعطيه عطاء الخجل من بخله بإمساك بقية ماله عن الله عز وجل ، فتكون هيئته الانكسار والحياء ، كهيئة من يطالب برد وديعة فيمسك بعضها ويرد البعض ، لأن المال كله لله عز وجل ، وبذل جميعه هو الأحب عند الله سبحانه ، وإنما لم يأمر به عبده لأنه يشق عليه بسبب بخله ، كما قال الله عز وجل : * ( فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا ) * . « 2 » الوظيفة السابعة : أن ينتقى من ماله أجوده وأحبه إليه وأجله وأطيبه ، فان الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا ، وإذا كان المخرج من شبهة فربما لا يكون ملكا له مطلقا فلا يقع الموقع وفي حديث أبان عن أنس بن مالك [ 1 ] « طوبى لعبد أنفق من مال اكتسبه من غير معصية » وإذا لم يكن المخرج من جيد المال فهو من سوء الأدب ، إذ قد يمسك الجيد لنفسه أو لعبده أو لأهله ، فيكون قد آثر على الله عز وجل غيره ، ولو فعل هذا بضيفه وقدم إليه أردأ طعام
--> « 1 » التوبة : 25 « 2 » محمد : 37